أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

183

التوحيد

فعل اللّه تعالى عند المعتزلة بقولهم : خلق الشيء هو ذلك الشيء ، فكيف أنكر هذه الأحوال عن خلقه ، وقوله هو تطوّل وتفضّل ، فإذا إبليس هو خلقه عندهم ، وفعله في الحقيقة تطوّل وتفضل ، وهو خير وحسن ، وهو حكمة وصواب ، وهذا كله قول وحش ، لم يجز إطلاق ذلك إلا بصلات توضح المراد ، فمثله الذي ذكر ، وليس من هذا الوجه دفع التشابه ولا قوة إلّا باللّه . ثم العجب ممن يعجب منه ، وفي ذلك أنه واحد ، والتشابه والاختلاف أبدا تقع في الأغيار ، وجملة ذلك أنا نجد فعل العبد من الوجه الذي عليه أمر العالم للّه ، فثبت أن خالق العالم كله واحد ، وإنما يجعل للعبد لا من ذلك الوجه ، واللّه الموفق . ثم عارض قول خصمه أن من عاين أعلى القصبتين تتحركان لا يفصل بين التي يحركها اللّه والتي يحركها آخر ، ثبت أنهما تشابها ، فزعم أنه يجب الفصل بينهما بالبحث عن السبب . قال الشيخ رحمه اللّه : يقال له : لعل ملكا تحرك أو شيطانا أو دابة تحت الأرض ، فأي سبب له يصل به إلى ما للّه حقيقة دون ما لأحد من الخلق لا يعلمه ليعلم أن اللّه عندهم لا يقدر أن يذهب بما خلق ، وليعلم أنه لشدة التشابه انقطع سبيل العلم به من حيث نفسه ، على أن السبب ليس يفصل عنده فيما كان من اللّه ، إذ ليس غير الذي يعاينه ، فأنّى يعرف ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . قال : وهذا كمستدل بالشاهد ، ربما يعجز عن الفصل بين القديم والحديث بما لم ينظر من وجهه ، فمثله الأول . قال الفقيه رحمه اللّه : وذلك عليه لوجهين : أحدهما أن لا سبيل في الأول إلى السبب والعلم به في الحقيقة ، مع ما ليس من اللّه غير الذي نراه ليعلم به ، فلا معنى لهذا . الثاني أن الذي عارض به لا يجوز أن يكون جهة واحدة ، يدل على أن الحدث والقدم إنما هو في أنه لم ينظر إليه وأغفل عنه حيث لم ير موضع الدلالة ، وما نحن فيه ليس ثمة ما يفصل إن كان فهو في غيره ، ثبت أنهما بحث أنفسهما شبيهات ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم عارض : هل يعرف به المكتسب من غيره ؟ قال الشيخ رحمه اللّه : وهي المعارضة أن اشتبه المكتسب لغيره حتى لا يعرف حقيقة واحد منهما ، ثبت أنهما مخلوقان معا لذلك . وبعد ، فإنه ليس على معرفة المكتسب وإنما على معرفة ما للّه ، لا عرفه في خلقه ، لا نفى عنه ما هو له ، ولا أثبت له ما ليس له ، فأكون كاذبا عليه ، وذلك كفر ، وعلى قول المعتزلة : لا وجه لمعرفته ، فتحيل أبدا على الشك ، ولا يصل إليه ، وذلك هو المعنى الذي نفى اللّه أن يكون معه إله حقّقه أهل الاعتزال سفها بغير علم ، وذلك في قوله تعالى : إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [ المؤمنون : 91 ] ، واللّه الموفق . فبلغ